قصص

كنت أظنه مجرد جسم غريب: حادثة تكشف أهمية التوعية في المناطق المتضررة

في 19 أيار/مايو 2026، أُصيب عماد عبد الرحمن سينو، وهو نازح من سري كانيه/رأس العين ويقيم في قرية تل مساس التابعة لناحية تل تمر، إثر انفجار جسم من مخلفات الحرب أثناء رعيه للأغنام.

يقول عماد:

«كنت أرعى الأغنام وأرمي الحجارة بشكل عفوي، ولم أتوقع أن يكون الجسم الموجود بالقرب مني خطراً. انفجر فجأة، وأصابتني شظاياه في يدي وأجزاء من أصابعها وقدمي. لم أفقد الوعي بعد الحادثة، وأتذكر أن جيراني قاموا بمساعدتي ونقلوني إلى أحد المشافي في تل تمر».

ويضيف:

«لم أكن أعرف أن جسماً كهذا يمكن أن ينفجر. اليوم لدي أربعة أطفال، ثلاثة منهم يذهبون إلى المدرسة، وأصبحت أخاف عليهم أكثر. هم بحاجة إلى التوعية، وربما أنا أيضاً كنت بحاجة إليها قبل أن تحدث معي هذه الحادثة».

من جانبه، يقول عدنان الدربو، مدير مدرسة تل مساس، إن الحادثة أثارت مخاوف الأهالي، موضحاً:

«بات الأهالي أكثر تشدداً وحرصاً على مراقبة أطفالهم، سواء أثناء اللعب والتجول في القرية أو أثناء توجههم إلى المدرسة».

ويضيف:

«خلال السنوات الماضية تلقينا جلسة توعية واحدة فقط، وهذا غير كافٍ، خاصة مع استمرار وجود مخلفات الحرب في المنطقة».

ويشير عدنان الدربو إلى أن أكثر من 100 عائلة نازحة تقيم في القرية، فيما يقترب بعضهم من العودة إلى مناطقهم الأصلية، التي لا تزال ملوثة بمخلفات الحرب.

وتجعل هذه الظروف التوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب حاجة أساسية للسكان، ولا سيما الأطفال والعائلات النازحة والعائدة إلى مناطق يُحتمل وجود مخلفات حرب فيها.

قصص

من جلسات التوعية إلى العودة: معلّم يحمل رسالة السلامة إلى مجتمعه

لسـنوات، كان محمد حميدي بعيداً عن قريته الأهراس في ريف سري كانيه/رأس العين، بعد أن اضطر، مثل كثير من العائلات، إلى النزوح بسبب سنوات النزاع، وعندما حان وقت العودة، كان يدرك أن المنطقة لم تعد كما كانت، فما زالت آثار الحرب حاضرة، ولا تزال بعض المناطق المحيطة تحمل مخاطر غير معروفة.

في آذار/مارس 2026، شارك محمد في جلسات للتوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب في مخيم سري كانيه بمدينة الحسكة، نظمتها مؤسسة روج للحماية المجتمعية (Roj Community Protection – RCP). بالنسبة إليه، كانت المعرفة التي اكتسبها استعداداً لحياة جديدة سيحتاج فيها إلى حماية أسرته ومجتمعه.

في 10 آب/أغسطس 2026، عاد محمد إلى قريته، وبصفته معلّماً، يرى أن مسؤوليته لا تقتصر على أسرته، بل تمتد إلى الأطفال الذين يعلّمهم والمجتمع من حوله.

يقول محمد:

«حتى الآن، لم نسمع عن وجود ألغام أو نعثر عليها داخل قريتنا، لكن المنطقة عاشت سنوات طويلة من الحرب، وهناك العديد من المنازل المدمرة، وقد تحتوي المناطق المحيطة على مخاطر. لذلك تبرز أهمية التوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب.»

ويؤكد محمد أهمية متابعة الأطفال وحمايتهم من الاقتراب من المناطق المحيطة بالقرية، قائلًا:

«من المهم أن نتابع أطفالنا وأطفال جيراننا، وأن نحرص على ألا يخرجوا إلى المناطق المحيطة بالقرية، لأننا لا نعرف حتى الآن ما الذي قد يكون موجوداً فيها.»

كما يشير إلى أهمية توفر مرافق صحية قريبة ومجهزة، قائلاً:

«لا توجد مرافق صحية قريبة يمكنها تقديم الإسعافات الأولية المتخصصة في حال وقوع حادث، لا سمح الله، لذلك من المهم توفير خدمات صحية قريبة ومجهزة، قادرة على الاستجابة بسرعة وتقديم الرعاية الأولية للمصابين.»

اليوم، يحمل محمد إلى الأهراس معرفة اكتسبها قبل عودته ومسؤولية تجاه الأطفال والأسر من حوله، وتُظهر قصته كيف يمكن للتوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب أن تدعم المجتمعات العائدة في اتخاذ قرارات أكثر أماناً في مناطق ما زالت تحمل آثار النزاع.

Mines

الألغام: خطرٌ يستمر بعد انتهاء النزاعات

لا تنتهي آثار النزاع بانتهاء القتال، ففي المجتمعات التي أنهكتها الحرب، تبقى الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة خطراً صامتاً يختبئ تحت الأرض، ويواصل تهديد المدنيين حتى بعد عودة الحياة إلى المناطق المتضررة.

لا تميّز هذه المخلفات بين طفل أو راعٍ أو مزارع. وقد تكفي خطوة واحدة في المكان الخطأ لتحوّل يومًا عادياً إلى مأساة، وتترك أثراً يمتد إلى أسرة بأكملها.

في منطقة جلامدة بريف دير الزور، انتهت حياة ماجد الحسين في حادثة من هذا النوع.

كان ماجد برفقة أحد أقاربه في صباح ربيعي، عندما خرجا لرعي الأغنام كعادتهما، بدا اليوم عادياً، قبل أن يتوجها إلى قطعة أرض قريبة لجمع بعض الأغصان لاستخدامها في إشعال النار.

يروي قريبه تفاصيل اللحظات الأخيرة:

«في صباح أحد أيام الربيع، خرجت برفقة ابن عمي ماجد لرعي الأغنام، كما كنا نفعل دائماً، كان كل شيء طبيعياً، إلى أن قررنا التوجه إلى قطعة أرض قريبة لجمع بعض الأغصان لإشعال النار. وبينما كان ماجد يجمع الحطب، وقع انفجار ضخم بشكل مفاجئ. في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء.

وجدت ماجد ملقى على الأرض ومصاباً بجروح بالغة. لم تكن لدي وسيلة لطلب المساعدة سوى الصراخ. وبعد دقائق، توقفت سيارة كانت تمر بالقرب من المكان، فنقلناه إلى أقرب مركز صحي. لكن الأطباء أخبرونا أنه فارق الحياة متأثرًا بإصاباته».

لم تكن تلك اللحظات عابرة بالنسبة إلى الشاهد، ولا بالنسبة إلى عائلة ماجد التي وجدت نفسها أمام فقدان لا يمكن استعادته، فقد تحوّل المكان الذي اعتاد ماجد ارتياده إلى مصدر خطر لم يكن ظاهراً لمن يمر فيه.

وتتجاوز قصة ماجد حدود عائلته. ففي المناطق المتضررة من النزاعات، لا تزال الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة تهدد حياة المدنيين، وتعيق عودتهم إلى أنشطتهم اليومية، من رعي الأغنام والزراعة إلى ذهاب الأطفال إلى مدارسهم.

ومع عودة السكان إلى مناطقهم، تظل إزالة هذه المخلفات شرطًا أساسياً لعودة الحياة بأمان. فالأرض الآمنة لا تعني فقط غياب الخطر، بل تمنح العائلات القدرة على العمل، والأطفال فرصة للذهاب إلى المدرسة، والمجتمعات إمكانية استعادة حياتها من جديد.

Mines

ليث… حين غيّرت عبوة ناسفة مسار الحياة

لم يكن النزوح بالنسبة إلى ليث مجرد مغادرة لمنزله في قرية جرمز بريف الحسكة، بل كان بداية رحلة مليئة بالخسائر، فمع تصاعد الأحداث ودخول تنظيم داعش إلى المنطقة، اضطر مع عائلته إلى مغادرة قريتهم بحثًا عن مكان أكثر أماناً.

لكن طريق النجاة لم يكن آمناً.

خلال رحلة النزوح، انفجرت إحدى العبوات الناسفة المزروعة في الطريق، لتغيّر حياته في لحظة واحدة، فقد ليث وعيه نتيجة شدة الانفجار، ولم يستيقظ إلا بعد أيام داخل المستشفى.

يروي ليث تلك اللحظات قائلًا:

«عندما استعدت وعيي، انتابني شعور غريب، حاولت أن أحرّك قدمي، لكنني أدركت أنني فقدت ساقي، لم أستوعب في البداية ما حدث، وكل ما كنت أفكر فيه هو: كيف سأكمل حياتي؟ وكيف سأتأقلم مع هذا الواقع الجديد؟»

قبل الحادثة، كان ليث طالباً يطمح إلى إكمال تعليمه ومساندة أسرته المكونة من اثني عشر فرداً، إلا أن الانفجار غيّر مسار حياته، وفرض عليه تحديات جديدة لم يكن يتخيلها.

قصة ليث ليست استثناءً، بل تمثل واقعًا يعيشه مئات المدنيين الذين تعرضوا للإصابة بسبب الألغام والعبوات الناسفة ومخلفات الحرب، التي ما زالت تنتشر في الحقول والطرقات والمنازل في المناطق المتأثرة بالنزاعات، لتواصل تهديد حياة المدنيين حتى بعد توقف المعارك.

Mines

حين تفرض مخلفات الحرب واقعاً جديداً

لا تنتهي معاناة المجتمعات المتأثرة بالنزاعات بانتهاء الأعمال القتالية، فالألغام والذخائر غير المنفجرة تواصل حصد الأرواح وإصابة المدنيين، لتترك آثاراً تمتد لسنوات طويلة.

حسن واحد من هؤلاء المدنيين الذين تغيّرت حياتهم في لحظة.

بعد عودته إلى منطقته عقب انتهاء النزاع، خرج ليتفقد محيط منزله، غير مدرك أن خطراً ما زال يختبئ تحت الأرض.

يروي حسن ما حدث قائلاً:

«كنت أتجول بالقرب من منزلي بعد انتهاء الصراع في منطقتنا، فجأة سمعت انفجاراً قوياً، ولم أعد أذكر ما حدث بعد ذلك، استيقظت بعد أيام في المستشفى، وهناك أخبرني الأطباء أنني فقدت ساقي اليمنى.»

ويتابع:

«لم يكن الألم الجسدي هو الأصعب، بل كان التفكير في حياتي الجديدة. كنت أتساءل كيف سأواصل عملي، وكيف سأعتني بأطفالي وأسرتي. شعرت أنني فقدت القدرة على القيام بالدور الذي اعتدت أن أؤديه تجاه عائلتي.»

قبل الحادثة، كان حسن يعمل لإعالة أسرته. أما اليوم، فقد أصبح غير قادر على ممارسة عمله كما في السابق، وأصبحت العكازات وسيلته الأساسية للتنقل، بينما يواصل التكيف مع واقع فرضته عليه مخلفات الحرب.

قصة حسن تعكس واقعًا يعيشه العديد من المدنيين في المناطق المتأثرة بالنزاعات، حيث تستمر الألغام والذخائر غير المنفجرة في تهديد حياة السكان وإحداث إصابات دائمة، حتى بعد سنوات من توقف القتال.

إن آثار التلوث بالأسلحة لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تمتد لتطال الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد والأسر. فالتعافي الحقيقي لا يبدأ بانتهاء النزاع فحسب، وإنما بإزالة الأخطار التي تعيق عودة المجتمعات إلى حياتها الطبيعية.

Mines

في براءة الطفولة، كل ما يُلقى على الأرض قد يبدو لعبة

لم يكن الطفل متيم علي، البالغ من العمر 12 عامًا، يدرك خطورة المكان الذي ذهب إليه قبل أن يقع ضحية لغم لم يفرّق بين طفل أو امرأة أو حيوان، نزح متيم مع عائلته من منطقة دير الزور إلى جرمز في ريف الشدادي، هرباً من الموت وبحثاً عن حياة أكثر أماناً.

لكن أحد الألغام المزروعة في تلة قريبة من منزله، تُعرف باسم جبل العنز، كان بانتظاره، مترقباً خطواته وصخب لعبه.

فالألغام التي زرعتها داعش لم تكن تهدد أفراد القوات الحكومية وحدهم، بل امتد خطرها إلى المدنيين والأبرياء، لتحصد أرواحهم وتخلّف إصابات وإعاقات دائمة، وتنتزع من الأطفال براءة طفولتهم.

خلّف الانفجار شظايا اخترقت جسد متيم ووجهه وساقه النحيلة، لتترك إصابة وإعاقة قد ترافقه طوال حياته، من دون أن يعرف الطفل لماذا كان عليه أن يدفع هذا الثمن.

يقول متيم علي إنه كان يرعى الأغنام برفقة صديقه، وعندما حانت الساعة العاشرة صباحًا، كانا يستعدان للمغادرة. ويستذكر لحظة الانفجار قائلاً: كنا نرافق بالغنم، وفجأة رأيت أنني تطايرت في الهواء من شدة الانفجار، وكنت لا أزال واعياً بما حولي.

ويواصل الطفل سرد تفاصيل ما حدث: بعد انفجار اللغم وانتشار الشظايا في جسدي، تمكنت من الذهاب بصعوبة إلى المنازل القريبة من مكان الحادثة بمساعدة صديقي، ثم قام الأهل بربط جراحي لإيقاف النزيف.

أصيب متيم بعدة شظايا في أنحاء جسده، وكان أكثر ما يرجوه ألا يضطر إلى بتر قدمه، وأن يتمكن من المشي عليها مجددًا.

ولم يتمالك متيم دموعه عندما تحدث عن خوف والدته لحظة وصوله إلى المنزل وملابسه ملطخة بالدماء: خافوا أهل البيت كلهم، وكانوا يتباكون.

وخلال حديثه، وجّه متيم رسالة إلى أقرانه من الأطفال في المناطق التي شهدت نزاعات، طالبهم فيها بعدم الاقتراب من الأماكن المشبوهة أو العبث بالأجسام التي قد تكون ألغامًا أو مخلفات متفجرة، حتى لا يصبحوا ضحايا لمصير يشبه ما عاشه هو، أو يفقدوا حياتهم.

ويمثل ما حدث لمتيم جزءًا من خطر مستمر يواجه سكان الشدادي، حيث لا يزال شبح الألغام ومخلفات الحرب حاضرًا تحت التراب وفي الأماكن التي اعتاد الناس على ارتيادها، مخلفاً ضحايا بين قتيل ومصاب ومن فقد أحد أطرافه.

ونجحت RMCO في إزالة الجزء الأكبر من خطر المتفجرات في المنطقة التي يعيش فيها متيم. وعندما تُزال الألغام الأرضية والعبوات المفخخة والقنابل غير المنفجرة، تصبح للعائلات فرصة للعمل والحياة بأمان، ويستطيع الأطفال أن يكبروا بعيدًا عن الخوف.

Mines

لغمٌ لم يحل بينه وبين حلمه في التعليم

يقول شعلان: كنا قد هربنا إلى المناطق القريبة بسبب القتال الدائر، وكنا قد عدنا لتوّنا إلى منزلنا في فدغمي بعد دحر الجماعات الإرهابية منها، وعندما حاولت فتح باب المنزل، وقع انفجار. صرخت مرة واحدة، ثم لم أعد أعي ما حولي.

استيقظ شعلان بعد عدة أيام في المستشفى. كانت في جسده جروح عدة، خصوصاً في بطنه ويده، ومع استعادته وعيه تدريجياً، لاحظ أن الجزء السفلي من جسده بدا أخف على نحو يثير الاستغراب، قبل أن يدرك الحقيقة: لقد فقد ساقه اليسرى.

تملكه اليأس والخوف؛ الخوف من أن يخيب أمل أفراد عائلته، ومن ألا يتمكن من مساعدتهم أو العودة إلى حياته المعتادة، وأن يصبح معتمداً عليهم في تفاصيل حياته اليومية. لكن مع مرور الوقت، بدأ يتأقلم تدريجياً مع وضعه الجديد.

وبدأ شعلان يتعلم المشي بالاستعانة بالعكازات، ببطء وألم. ومع كل خطوة، بدأ يلوح في الأفق بصيص من الأمل بأن حياته يمكن أن تتحسن، وأن ما فقده لن يكون نهاية الطريق.

يذهب شعلان إلى المدرسة الآن، وهو تلميذ نجيب وذكي، ويحرص على متابعة دراسته رغم الصعوبات التي يواجهها. إلا أنه يشكو من بُعد المدرسة، ويعاني الألم أثناء الذهاب إليها بسبب إصابته. ويقول شعلان: كل ما أتمناه هو أن أتمكن من إنهاء دراستي.

ورغم محاولته المضي قدماً، لا يزال شعلان يشعر أحياناً بأن ما حدث له كان غير عادل. يقول: لم أكن مقاتلاً، ولم يكن لي أعداء.

ولا يزال الخوف من الألغام حاضراً في ذاكرته. فما حدث لم يترك أثره في جسده فقط، بل امتد إلى عائلته بأكملها. ويقول شعلان إن أحداً منهم لن يستطيع بسهولة نسيان ما جرى، وإن الخوف من تكرار الحادثة وإصابة فرد آخر من أفراد العائلة سيبقى حاضراً، تاركاً أثراً لا يزول مع مرور الوقت.

Mines

ألغامٌ مستمرة.. وأسرٌ تدفع الثمن

كعادته، خرج حسن حنوش مع بزوغ فجر الصباح لشراء حاجياته اليومية، بعدما طبع قبلة على خد ابنه الصغير، الذي كان في العاشرة من عمره، ووعده بأن يعود في نهاية اليوم ومعه ما يفرحه.

غادر حسن منطقة المشوح الواقعة غربي الشدادي، ولم يكن يعلم أن ذلك الصباح سيكون الأخير له، وأن الهدية التي حملها لطفله لن تصل إلى يديه.

وقبل غروب الشمس بساعتين، وبعد أن أنهى شراء حاجياته واستعد للعودة إلى قريته، كان حسن يسير على الطريق حاملاً معه هدية لابنه. وعلى جانب الطريق، بالقرب من حاوية للقمامة، كانت عبوة ناسفة مجهزة بمؤقت قد زُرعت في مكان يمر منه المدنيون.

لم يكن حسن يعلم بوجود الخطر. وما إن اقترب من العبوة حتى انفجرت، فأصيب بجروح بالغة. نُقل إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة متأثرًا بإصاباته، تاركًا وراءه أربعة أطفال من دون معيل.

في ذلك اليوم، لم تفقد عائلة حسن أبًا ومعيلًا فحسب، بل فقد طفل في العاشرة من عمره أبًا كان قد وعده بهدية عند عودته.

وتبقى الألغام والعبوات الناسفة ومخلفات الحرب خطرًا يهدد حياة المدنيين، حتى في الأماكن التي عادت إليها الحياة بعد انتهاء القتال، لتترك وراءها ضحايا جددًا وأسرًا تدفع ثمنًا لا علاقة لها بالحرب.

وفي إطار جهود الحد من هذا الخطر، تمكنت فرقنا الهندسية من تنظيف نحو 90% من المنطقة التي كان يعيش فيها حسن، بهدف حماية المدنيين والحؤول دون وقوع مزيد من الضحايا بسبب الألغام ومخلفات الحرب.

Mines

حين تعترض الألغام طريق الأحلام

كان حلم كاظم محمد العفار، البالغ من العمر 26 عاماً، أن يتمكن من إنقاذ عائلته من الصراع الدائر في منطقته، وأن يوفر لهم حياة أكثر أمانًا، لكن هذا الحلم تبدد في لحظة، حين داس على حجر أخفى تحته لغمً.

أفقده دوي الانفجار وعيه، ولم يستعده إلا في المستشفى، حيث وجد نفسه محاطاً بالأطباء، حاول تحريك أطرافه والاعتدال في جلسته، لكنه صُدم بالحقيقة القاسية: لم يفقد وعيه فحسب، بل فقد ساقيه أيضاً.

عرف كاظم لاحقاً أنه وقع في حقل ألغام زرعته جماعة متطرفة في منطقة مأهولة بالسكان المدنيين، لتطال أضرارها البشر والحيوانات على حد سواء.

يقول كاظم: مضت الأيام وأنا على سرير المستشفى، أراقب قدمي المصابة أمامي بيأس يوماً بعد آخر، محاولاً أن أقاوم عجزي، لعل قدمي تعود أو يحدث أي شيء آخر، استشعرت حينها عميق العجز ويأساً بالغاً.

ويضيف: حاولت أن أجلس على كرسي بالقرب مني، وكأنني لست مصاباً، كنت أسمع قصص من تسببت الألغام ومخلفات الحرب في فقدان أطرافهم، أو من تركت هذه المخلفات أثراً دائماً في حياتهم، جلست باهتمام أستمع إلى أحد الرجال بالقرب مني، وكان منهمكًا في وصف الألغام بأقسى العبارات. ضممت إحدى قدمي إلى الأخرى، لكنني أدركت أنها لم تعد كما أعرفها. كاد شعور الفقد حينها أن يدفعني إلى الانهيار.

اليوم، يوجه كاظم نداءً لإزالة الألغام من مدينته، حتى لا يضطر آخرون إلى مواجهة المصير الذي واجهه، وحتى تتمكن العائلات من العودة إلى حياتها دون الخوف من خطر مخفي تحت أقدامها.

كاظم ليس الضحية الوحيدة

لم تحطم الألغام حلم كاظم في المشي مجدداً وحده، بل شاركه هذا المصير العديد من المدنيين الأبرياء في سوريا، من نساء وأطفال ومسنين، ممن وجدوا أنفسهم ضحايا لمخلفات حرب لا تزال تهدد حياتهم حتى بعد توقف القتال.